فخر الدين الرازي

125

تفسير الرازي

من شاء . ولما دلت الآية على أن كل ما سوى الشرك مغفور ، وجب أن تكون الكبيرة قبل التوبة أيضاً مغفورة . الثالث : أنه تعالى قال : * ( لمن يشاء ) * فعلق هذا الغفران بالمشيئة ، وغفران الكبيرة بعد التوبة وغفران الصغيرة مقطوع به ، وغير معلق على المشيئة ، فوجب أن يكون الغفران المذكور في هذه الآية هو غفران الكبيرة قبل التوبة وهو المطلوب ، واعترضوا على هذا الوجه الأخير بأن تعليق الأمر بالمشيئة لا ينافي وجوبه ، ألا ترى أنه تعالى قال بعد هذه الآية : * ( بل الله يزكي من يشاء ) * ( النساء : 49 ) ثم إنا نعلم أنه تعالى لا يزكي إلا من كان أهلا للتزكية ، وإلا كان كذباً ، والكذب على الله محال ، فكذا ههنا . واعلم أنه ليس للمعتزلة على هذه الوجوه كلام يلتفت إليه إلا المعارضة بعمومات الوعيد ، ونحن نعارضها بعمومات الوعد ، والكلام فيه على الاستقصاء مذكور في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : * ( بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) * ( البقرة : 81 ) فلا فائدة في الإعادة . وروى الواحدي في البسيط باسناده عن ابن عمر قال : كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مات الرجل منا على كبيرة شهدنا أنه من أهل النار ، حتى نزلت هذه الآية فأمسكنا عن الشهادات . وقال ابن عباس : إني لأرجو كما لا ينفع مع الشرك عمل ، كذلك لا يضر مع التوحيد ذنب . ذكر ذلك عند عمر بن الخطاب فسكت عمر . وروي مرفوعا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " اتسموا بالايمان وأقربوا به فكما لا يخرج إحسان المشرك المشرك من إشراكه كذلك لا تخرج ذنوب المؤمن المؤمن من إيمانه " . المسألة الثانية : روي عن ابن عباس أنه قال : لما قتل وحشي حمزة يوم أحد ، وكانوا قد وعدوه بالاعتاق ان هو فعل ذلك ، ثم أنهم ما وفوا له بذلك ، فعند ذلك ندم هو وأصحابه فكتبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذنبهم ، وانه لا يمنعهم عن الدخول في الاسلام إلا قوله تعالى : * ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ) * ( الفرقان : 68 ) فقالوا : قد ارتكبنا كل ما في الآية ، فنزل قوله : * ( إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا ) * ( الفرقان : 70 ) فقالوا : هذا شرط شديد نخاف أن لا نقوم به ، فنزل قوله : * ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) * فقالوا : نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته ، فنزل * ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ) * ( الزمر : 53 ) فدخلوا عند ذلك في الاسلام . وطعن القاضي في هذه الرواية وقال : ان من يريد الايمان لا يجوز منه المراجعة على هذا الحد ؛ ولأن قوله : * ( ان الله يغفر الذنوب جميعاً ) * ( الزمر : 53 ) لو كان على اطلاقه لكان ذلك اغراء لهم بالثبات على ما هم عليه . والجواب عنه : لا يبعد أن يقال : انهم استعظموا قتل حمزة وايذاء الرسول إلى ذلك